السيد محمد تقي المدرسي
207
من هدى القرآن
العظيم الذي يذكِّر بها ويسبقها في الهداية إلى الحق وإحقاقه ، وكأن السياق يقول : لنا إن القرآن حاقٌّ لأنه كالحاقة يُجلي كل الحقائق . كما أنه تعالى أخَّر الحديث عن أصحاب الشمال على الحديث عن أصحاب اليمين ليكون لصيقا بكلامه عن كتابه ، وذلك لأن الحديث عن أصحاب النار سوف يستثير في السامع السؤال عن النهج الذي فيه الخلاص من غضب الله وعذابه ، والفوز باجر أهل اليمين وعيشتهم الراضية . « فَلا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ ( 38 ) وَمَا لا تُبْصِرُونَ » ، والتمهيد لأي حديث بالقسم أو بالإشارة للقسم يؤكد أهميته وعظم شأنه ، وإذ لا يقسم الله فذلك يدل على أن ما يريد قوله وبيانه غاية في الوضوح ، بحيث لا يحتاج لإقناع الآخرين به إلى القسم ، ولكنه في الأثناء يلفتنا إلى حقيقة عملية واقعية ، وهي : أن الحياة لا تتلخص فيما يراه الإنسان ببصره ، بل لها جانبان : جانب ظاهر يحضر عنده بحواسه المادية ، وآخر خفي مغيب يحتاج إلى العلم والبصيرة النافذة لكي يشاهده ، وكأنه بذلك يستحثنا نحو توسيع معارفنا والتطلع إلى الوجه الآخر من الحياة ، فهل نكفر بوجود الميكروبات والفيروسات لأننا لا نراها بأعيننا ؟ كلا . . لأن ذلك لا يغير من الواقع شيئا ، فهي موجودة رغم ذلك وهكذا فإن من يكفر بالآخرة لأنه لا يراها بعينه فإنه من الخاطئين . ومن هذه الزاوية يصل القرآن الآيتين الآنفتين بتأكيده على أن الرسالة ليست من بنات أفكار النبي صلى الله عليه وآله ، إنما هي متصلة بالغيب حيث جبريل الأمين يتنزل بمفرداتها كلمة كلمة وبحروفها حرفا حرفا ، بل وبحركاتها دون نقيصة أو تغيير ، فإن للرسالة جانبين : ظاهرا يتمثل في القرآن الذي يبصره الناس بأعينهم وتدركه حواسهم ، وغيبا لا يبصرونه ولا يدركونه ولا ينبغي لهم ذلك وهو جبرائيل الواسطة بين المرسل والرسول ورب العالمين الذي يتنزل من عنده القرآن ، وعدم إبصارنا الجانب الغيبي منها لا يبرر الكفر بها ، وذلك لسببين : الأول : إن قصور الإنسان عن الإحاطة علما بغيب الحياة من المسلمات البديهية التي يقبلها كل عاقل ، وهكذا لا يمكن للبشر الإحاطة بالوحي الإلهي ، وبذلك ينسف القرآن الشيئية المادية عند البعض ، كالذين كفروا بالرسالة لأنهم لم يروا جبرائيل « وَقَالُوا لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ » [ الأنعام : 8 ] ، « أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ » [ هود : 12 ] . الثاني : إن الجانب الظاهر ( القرآن ) دليل قاطع يهدي كل ذي عقل إلى الإيمان بالجانب الآخر ( الوحي ) ، فإن المتدبر في الآيات القرآنية لا بد وأن يسلِّم بأنها من عند الله ، لأنه يجدها معجزات لا تتأتى إلا للخالق العظيم ببلاغتها ونظمها ومعانيها الهادية للحق ، كما قال الله : « إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ » أي رفيع المنزلة عند الله ، منزه ، وغاية في الأمانة والأخلاق فهو لا يقصِّر في التبليغ ولا يحرِّف ، مما يؤكد أن الرسالة وصلت سالمة وتامة كما أرادها الله وأنزلها ، وهذا الأمر